عبد الملك الجويني
45
الشامل في أصول الدين
غير متحيز . فبطل تفسير المتحيز بما سبق ، والأصح في ذلك عبارات ارتضاها القاضي رضي اللّه عنه . منها أنه قال : المتحيز هو الجرم ، ولا معنى له سواه . قال : إنما هو الذي له حظ من المساحة . وقال أيضا : هو الذي لا يوجد بحيث وجوده جوهر . وفي التصريح بذلك احتراز من النقض بالعرض . وقال أيضا : هو الموجود الذي لا يوجد بحيث وجوده مثله من غير تضاد . والعبارات وإن اختلفت ، فالمطلوب واحد . فإن قال قائل : فما الحيز ؟ فقد قال بعض الأئمة : إنه تقدير مكان ، ولم يرد بذلك أن الرب إذا خلق جوهرا فردا فحيزه تقدير مكان له ، فإن ذلك توقع موجود ، والحيز إنما هو ثابت غير متوقع ، بل معناه أنه مكان لجوهر مقدّر . وأحسن ما يقال في الحيز : إنه المتحيز بنفسه . وقد سبق معنى المتحيز ، ثم لا تبعد إضافة الحيز إلى الجوهر كما لا تبعد إضافة الوجود إليه . فإن قيل : التحيز عندكم من صفات نفس الجوهر ، فبم تنكرون على من يزعم أنه من صفات المعاني ، وأن الجوهر إنما تحيز لكون من الأكوان ، وهو الذي يوجب تخصيصه ببعض الجهات ؟ قلنا : التحيز من صفات النفس ، والدليل عليه وجوه من الكلام : أحدها : أن المعنى بالتحيز عندنا الجرم ، وكونه جرما لا يختلف ، وإن اختلفت أكوانه وأعراضه . فلو كان هذا الحكم ثابتا موجبا لعرض ، لوجب أن يثبت له حكم الاختلاف عند اختلاف الأكوان ، فلما لم يختلف كونه جرما ، دل أنه ليس من موجبات الأكوان . والاختصاص بالجهات - لما كان موجب الأكوان - كان في حكم الاختلاف . ومما نستدل به أيضا أن صفة النفس إنما تتميز عن صفة المعنى ، بأن النفس لا تعقل دون صفة النفس ، ولا تعقل الصفة دون النفس ، وصفة المعنى يجوز تقدير النفس دونها عقلا . وسنوضح الفصل بين صفات النفس والمعنى في باب إن شاء اللّه . فإذا وضح ذلك اعتبرنا التحيز المفسر بكون الجوهر حجما ، فوجدناه لازما للجوهر حتى لا يقدّر الجوهر خارجا عن التحيز ، كما لا يقدر خارجا عن كونه ذاتا شيئا . فإن قيل : فاجعلوا علم الباري من صفات نفسه ، من حيث لا يجوز تقدير عدم العلم مع بقاء الذات . قلنا : ليس ما ألزمتم مما نحن فيه . فإن عدم العلم ، ما امتنع لصفة الذات ، وإنما